المتحف الإثنوغرافي
ذاكرة المجتمع المصري وتوثيق الحياة اليومية عبر العصور
من أروقة المتحف الإثنوغرافي بالجمعية
تبرز أهمية المتحف ليس فقط في مقتنياته الفريدة، بل أيضاً في دوره العلمي كتوثيق بصري ومادي لأنماط الحياة والعادات والتقاليد والحرف والأزياء الشعبية التي ساهمت في تشكيل الهوية المصرية على مر الأجيال.
منهج علمي متخصص
يمتاز المتحف بمنهج علمي يركز على دراسة الإنسان وعلاقته ببيئته ومجتمعه وثقافته، فهو لا يعرض الآثار الملكية أو المقتنيات النخبوية وحدها، بل يقدم صورة شاملة للحياة اليومية لمختلف فئات المجتمع، لذلك يُعد المتحف مرجعاً مهماً للباحثين والمتخصصين في الأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا والتاريخ الاجتماعي والتراث الثقافي.
بداية الفكرة عام 1924
بدأت فكرة المتحف عام 1924 عندما كلفت الجمعية الجغرافية المصرية باحثاً إنجليزياً متخصصاً في الدراسات الإفريقية بدراسة وتصنيف المقتنيات الإثنوغرافية وإعداد فهرس علمي لها وفقاً للأسس المعتمدة في المتاحف المتخصصة، وشكلت تلك الدراسة الأساس لتوثيق علمي دقيق، ثم تطور المتحف بتوسيع مجموعاته من الأدوات والأزياء والنماذج المرتبطة بالثقافة المصرية والأفريقية.
تنوع بيئات الحياة المصرية
اهتم المتحف منذ تأسيسه بتوثيق التنوع الثقافي الذي يميز المجتمع المصري، فاحتوى على مجموعات تمثل البيئات المختلفة مثل وادي النيل والدلتا والصحراء والواحات، إضافة إلى المجتمعات الحضرية في المدن الكبرى، مما يتيح للزوار فهم أنماط العيش المصري ووسائل التكيف مع البيئة.
قاعة القاهرة
تُعتبر قاعة القاهرة من أكبر وأغنى قاعات المتحف، إذ تقدم نظرة شاملة للحياة الاجتماعية والاقتصادية عبر نماذج مجسمة توثق الحرف والمهن التقليدية التي كانت جزءاً من الحياة اليومية، مثل المنجد وخراط الخشب والسقا والحلاق وبائع العرقسوس والجزمجي وغيرهم ممن ساهموا في تشكيل النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع المصري التقليدي، وتعكس الأزياء والأدوات الظاهرة في هذه النماذج بدقة الخصائص الثقافية والاقتصادية لكل شريحة اجتماعية.
الثقافات البدوية والصحراوية
يخصص المتحف اهتماماً ملحوظاً لتوثيق الثقافات البدوية، فتعرض مجموعاته نماذج متنوعة تشمل الخيام المصنوعة من شعر الماعز، أدوات الركوب والتنقل، المباخر، الأواني المنزلية، بجانب الأزياء التقليدية والحلي التي تجسد التميز الثقافي للمجتمع البدوي وقدرته الفريدة على التكيف مع البيئة الصحراوية القاسية.
وادي النيل والواحات
يقدم المتحف صورة شاملة عن ملامح الحياة في وادي النيل من خلال مجموعة واسعة من الأدوات الزراعية وأنظمة الري ومعدات الصيد والصناعات المنزلية التقليدية التي تظهر صلة الإنسان المصري الوثيقة بالنهر والأرض، ولا تغيب عنه مجتمعات الواحات بمقتنياتها التي تُبرز أدوات حفظ المياه ونقلها، الحلي التقليدية، الأزياء المزخرفة يدوياً، والمنتجات الحرفية التي تعبر عن الإبداع المحلي لسكانها.
المحمل النبوي
من أبرز معروضات المتحف وأكثرها تفرداً المحمل النبوي، وهو هودج خشبي كان يُحمل على ظهور الجمال ويشارك في موكب سنوي رسمي لنقل كسوة الكعبة المشرفة من مصر إلى الحجاز خلال موسم الحج. يعود المحمل الموجود في المتحف إلى عصر الملك فؤاد الأول، وتتميز زخارفه بتطريزات من الحرير الأحمر المزين بالخيوط الذهبية، فضلاً عن نقوش زخرفية إسلامية وآيات قرآنية مثل آية الكرسي، إضافة إلى نقش يحمل اسم الملك فؤاد.
يمثل المحمل شاهداً حياً على التقاليد الدينية والثقافية التي تعكس دور مصر التاريخي في خدمة الحرمين الشريفين، فقد كانت الكسوة تُنسَج في دار الكسوة بحي الخرنفش في القاهرة قبل أن تُنقل في موكب احتفالي مهيب إلى الأراضي المقدسة، واستمر هذا التقليد السنوي عبر قرون طويلة حتى عام 1962.
إن المتحف الإثنوغرافي يجسد رؤية علمية مبكرة استوعبت أهمية توثيق التراث الشعبي قبل أن تضيع تفاصيله بفعل التحولات المتسارعة، فهو ليس مجرد مكان للعرض، بل مركز لحفظ الذاكرة الثقافية والاجتماعية لمصر، ومرجع علمي ثمين لفهم تطور الإنسان المصري وعلاقته ببيئته وثقافته عبر التاريخ.